محمد بن الطيب الباقلاني

163

الإنتصار للقرآن

والاتّعاظ به ، فإنّ لسماعه من قارئه في المحراب من عظيم الاتعاظ والموقع والتديّن من نفوس المؤمنين ما لا خفاء به ، فأي بدعة في هذا ومخالفة للسنة ! وهي سنة جميلة في تعظيم الدين ومصالح المسلمين وإكادة عدوهم ، وإقامة معالم دينهم وتنوير مساجدهم ، والترغيب في طاعة ربهم ، والتشاغل بعبادته وتعظيم كتابه ، فمن ظن هذا بدعة من أغبياء الشيعة وعامّتهم فلا حيلة في أمره ، ومن قال ذلك وناظر عليه ممن له أدنى مسكة منهم فلا شكّ ولا شبهة علينا ولا على أحد في تلاحده وتلاعبه ، أو فرط تعصّبه وتنقّصه لعمر رضوان اللّه عليه والحرص على بخسه حظّه ، وتحيّفه فضائله ، وتطلّب العنت له والعيب عليه بما لا عيب فيه ولا نقيصة ، ولا أقلّ - مع الإنصاف وترك العناد - من سلامة عمر من هذا الفعل ، كفافا ، لا له ولا عليه ، فأما الطعن عليه والغضّ منه ومن قدره لأجله فإنه إفراط في الجهل والعنادة ، واللّه المستعان . فإن قيل : ما معنى قول النبي صلّى اللّه عليه : « ما منعني أن أخرج إليكم إلا خشية أن تكتب عليكم » ؟ قيل له : معنى ذلك ظاهر ، وهو إيثاره التخفيف عن الأمة ، ويمكن أن يكون قد / أخبره اللّه جلّ وعزّ على لسان جبريل أنه إن خرج إليهم وواصل [ 84 ] هذه الصلاة فرضت عليهم ، إمّا لإرادته فرضها فقط على ما يذهب إليه ، أو لأنه إن دام عليها حدث فيهم من الاعتقادات وتغيّر الحالات والأسباب ما يقتضي أن تكون أصلح الأمور لهم كتب هذه الصلاة عليهم ، وأنه إذا تركها لم يكن منهم ما يوجب كون فرضها صلاح حالهم . ويحتمل أيضا أن يكون ظنّ أن ذلك سيفرض عليه ، وأن تكون قد جرت عادته وعادة الصحابة في أعمال القرب أنهم إذا داوموا عليها على وجه